المستكشفين العالميين – ماركو بولو

هو أحد أشهر الرحالة والاستكشافيين في التاريخ ، فالرجل الذي وُلد وسط عائلة ثرية بجمهورية البندقية في عام 1254م ، سافر إلى آسيا الوسطى والصين في عصرٍ كان السفر فيه إلى بلدةً مجاوره يستغرق أياماً كاملة ، وبعد عودته من آسيا الوسطى أزال الكثير من الغموض عنها لأهل أوروبا ، حيث وصف عادات شعبها وروى عنها الحكايات

بدايات ماركو بولو

قضى ماركو بولو معظم طفولته دون والديه ، إذ توفيت والدته حين كان يافعاً ، أما والده وعمه ، نيكولو ومافيو ، فكانا تاجرا مجوهرات ناجحين ، وقضيا في آسيا معظم أيام شبابهما ، وحطّا الرحال في الصين في إحدى رحلاتهما ، حين انضما إلى مهمة دبلوماسية إلى بلاط قوبلاي خان ، القائد المغولي حفيد جنكيزخان ، وكان الأخير قد احتل شمال شرق آسيا في تلك الأيام .

عاد الرجلان إلى البندقية عام 1269م ، وحال عودتهما باشرا على الفور التخطيط للعودة مرة أخرى إلى بلاط قوبلاي خان ، فأثناء إقامتهما مع القائد ، طلب منهم الإمبراطور المغولي العظيم أن يعودا لأوروبا ويجلبا له 100 رجل مسيحي وراهب وكمية من الماء المقدس ، ليتعلم منهم عن المسيحية وعن الكنيسة في روما ، وبالفعل وبعد أربع سنوات من الترحال ، وصل الأخوان إلى الصين وإلى قوبلاي خان ، حيث كان يقيم وقتئذ في قصره الصيفي إكسانادو ، وهو أعجوبة معمارية رخامية عظيمة بهرت الشاب ماركو بولو الذي اصطحبوه معهما إلى الشرق بدلاً من الرهبان .

سافر ماركو بولو مع عائلته إلى أصقاع بعيدة ، وقام برحلة من أوروبا إلى آسيا منذ العام 1271م وحتى العام 1295م ، وبقي في الصين لمدة 17 عاماً من مجمل هذه الأعوام ، وغادرها في العام 1292م ، وذلك بصفته مرافقاً لأميرة مغولية أُرسلت إلى بلاد فارس حيث كانت ستتزوج من أمير فارسي . فقد غادر آل بولو الصين بحراً في قافلة ضمت المئات من المسافرين والبحارة ، وكانت الرحلة مروعة ، إذ لاقى العديد حتفهم نتيجة العواصف والأمراض ، ولم يبق على قيد الحياة حين وصول القافلة إلى ميناء هرمز الفارسي إلا 18 شخصاً ، من ضمنهم آل بولو والأميرة المغولية ، ولاحقاً في تركيا ، استولى مسؤولون من جنوا على ثلاثة أرباع ثروة الأسرة .

غادر ماركو بولو البندقية وهو في سن 17 من العمر ولم يعد لمدة 24 عاماً متواصلة ، قطع خلالها حوالي 15 ألف ميل مسافراً على طول طريق الحرير براً وبحراً ، ومتجولاً في العديد من البلدان الآسيوية ، كما زار أجزاءً من ساحل الآلاسكا .

سجن ماركو بولو

عندما عاد ماركو بولو إلى أوروبا عام 1295م كانت البندقية في حرب مع جمهورية جنوا ، فحمل السلاح وانضم للقوات المقاتلة ، وفي أواخر القرن الثالث عشر تم القبض عليه من قبل جيش جنوا وألقوه في السجن ، وهناك تصادق مع مؤلف الروايات الرومانسية راستشيلو ، فأملى عليه قصته التي نتج عنها مخطوطات ماركو بولو التي حكت التاريخ المفصل لرحلاته ، وعلى الفور أُودعت قصصه الورق ونُشرت فيما بعد في كتاب بعنوان “وصف العالم” ، ولاحقا سمي الكتاب “برحلات ماركو بولو” ، وقد جعل هذا الكتاب من ماركو بولو شخصاً مشهوراً ، الأمر الذي أدى إلى صدور طبعات منه باللغة الفرنسية والإيطالية واللاتينية ، ليصبح بذلك أكثر الكتب شعبية في أوروبا ، إلا أن تصديق ما كتبه ماركو بولو أمراً لم يسمح به إلا القليل ، إذ اعتبره كثير من القراء محض خيال ، وأنه تأليف رجل له مخيلة واسعة ، وفيما بعد حصل الكتاب على عنوان جديد ألا وهو (المليون) أو المليون كذبة ، ومع ذلك وقف ماركو خلف كتابه وتابع حياته .

محطات في حياة ماركو بولو

بعد أن أُطلق سراحه من السجن عاد إلى البندقية حيث تزوج وأصبحت له ثلاث بنات ، وتولى أعمال العائلة لمدة 25 عاماً .

تقابل ماركو بولو بالعديد من الحيوانات خلال رحلته ، وشملت سلالة الكلاب چوچو وثور الياك وثور المسك ، ومن بين هؤلاء بدى أن ثور الياك المفضل لديه ، حيث أثار إعجابه بنعومة فراره الحريري ، حيث أنه أعاد الكثير منه معه إلى البندقية .

على عكس الأسطورة الأوروبية التي كانت مُنتشرة في القرن الثالث عشر والتي كانت تقول بأن وحيد القرن كائن لطيف يمكن ترويضه بواسطة النساء الجميلات ، وصفه بولو أنه حيوان قبيح وخطير ، له شعر مثل الجاموس ، وأقدام مثل الفيل ورأس خنزير ويتوسطه قرن قوي ، وهو شرس ويشكل خطورة على البشرية ، إلا أنه تبين بعد ذلك أنه تقابل مع الكركدن ولكنه أعتقد أنه وحيد القرن .

كان ماركو بولو من أشد المؤمنين بوجود السحر والسحرة وقد بدى هذا في كتاباته ، حيث حكى عن مقابلته للعديد من السحرة في محكمة قوبلاي خان ، وكان يؤمن بأن المنجمين يمكنهم التحكم في الطقس من أسطح القصر ، وبما أن ماركو بولو عاش في عصر مليء بالخرافات ، فإنه كان خُرافياً بعض الشيء ، فلم يقتصر عند وصف السحر والسحرة ، بل ذكر العديد من القصص حول الأرواح الشريرة والأشباح ، فقد أدعى في إحدى رواياته أن الأرواح الشريرة تطارد صحراء قوبي ، وتصيب المسافرين وتلاحقهم وتتسبب بإبعادهم عن مسارهم ، وتقوم بتضليلهم عن الطريق المقصود ، فعلى الأرجح كان يقصد ايمان قوبي ، ولكن أعتقد بأنها أرواح شريرة .

أدعى ماركو بولو أنه لم يصل فقط لقصر قوبلاي خان ، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، حيث كوّن صداقة قوية مع الإمبراطور المغولي إلى أن أصبح يده اليمنى ومستشاره الأول .

عينه قوبلاي خان كمبعوث خاص له ، ونتيجة لذلك أرسله إلى مناطق بعيدة في آسيا لم يستكشفها الأوربيون من قبل ، كبورما والهند والتيبت وأماكن أخرى كانت من المناطق التي خاض فيها ماركو بولو مغامراته ، وكالمعتاد ، كان بحوزة ماركو بولو دوماً مجموعة من الرسائل المعدنية الممهورة بخاتم قوبلاي خان نفسه ، فكانت تعد بمثابة أوراق اعتماد من القائد عظيم السلطان ، وبمرور السنين كان ماركو يرتقي في عمله ، حتى أصبح حاكماً لمدينة صينية ، وفيما بعد ، عينه قوبلاي خان مستشاراً في المجلس السري ، وفي فترة ما كان مفتشاً للضرائب في مدينة يانتشو .

عندما قرر ماركو بولو أخيراً أن يُنهي مغامرته الشهيرة ويعود للديار ، أقنع قوبلاي خان بصعوبة للتخلي عنه ، وآنذاك أذعن قوبلاي خان لطلبه وأهداه قرصاً ذهبياً يحمل ختم البلاط الملكي ، لمساعدته في الحصول على العون اللازم خلال رحلته ، نظراً لأن ذلك القرص كان يشير إلى أن حامله تحت حماية الإمبراطور نفسه ، وقد استغرقت رحلة العودة إلى البندقية أكثر من 3 سنوات .

بالرغم من مصداقية مغامرات ماركو بولو ، إلا أنه كان قد بالغ قليلاً في بعض النواحي ، فحتى يومنا هذا يشكك العديد من المؤرخين في صدق وصوله إلى الصين في الأساس ، استناداً على أن ماركو بولو ربما يكون التقط تلك الحكايات من تجار آخرين زملاء له ، إلا أن أهمية ماركو بولو التاريخية ليست محل شك على الإطلاق .

إنجازات ماركو بولو

كانت رحلة والده وعمه برية فأُجبرا في بعض الأحيان على تخطي تحديات ومناطق وعرة ، ولكن ومن خلال كل ذلك ، عاش ماركو بولو طعم المغامرة ، وكانت ذكرياته اللاحقة عن الأماكن والثقافات التي شاهدها دقيقة وبشكل استثنائي وملحوظ .

اجتاز آل بولو الشرق الأوسط في طريقهم نحو الصين ، وأثناء ذلك استوعب ماركو بولو حجم مغامرته ، وقدم قصصه عن الشرق بشكل خاص إلى العالم الغربي ، وبيّن لهم الصور الواضحة عن جغرافيا المشرق ومكوناته العرقية ، وبالطبع اعترضت طريقه المصاعب ، ففي ما يُعرف الآن بأفغانستان ، اضطر ماركو بولو للعودة إلى الجبال للتعافي من مرض أصابه ، وقد عبَر صحراء قوبي ، أطول الصحاري وأكثرها مشقة ، فكتب فيما بعد : “يُروى أن هذه الصحراء من الطول بحيث يستغرق قطعها من طرف إلى الطرف الآخر عاماً كاملاً ، ويستغرق عبور أضيق نقاطها شهراً بأكمله ، فهي تتألف بشكل كلي من جبال وصحارى ووديان ، ولا يوجد ما يؤكل هناك على الإطلاق” .

قبل وقت طويل من بدء أوروبا في طباعة العُملات الورقية كانت الإمبراطورية المغولية تقوم بتداولها ، إلى ان وصفها ماركو بولو لهم ، مُشبها قوبلاي خان بالكيميائي الذي يمكنه تحويل أشجار التوت إلى نقود ، بدلاً من العُملات المعدنية والذهب ، كما أضاف تفصيلاً عن الطريقة التي يتم بها التعامل مع النقود الورقية من قبل رعايا قوبلاي خان ، ووصف الأنظمة المعمول بها لمنع تزييفها .

في القرون التي تلت وفاته ، حصل ماركو بولو على اعتراف بجهوده التي لم يجد لها سبيلاً أثناء حياته ، فقد تحقق الباحثون والأكاديميون والمستكشفون من الكثير مما ادعى رؤيته ، وحتى لو كانت قصصه عن رحالة آخرين التقاهم في طريقه ، إلا أن قصص ماركو نفسها ألهمت عدداً لا يحصى من المغامرين الآخرين لينطلقوا ويشاهدوا العالم ، وبعد قرنين من رحلات ماركو بولو ، انطلق كريستوفر كولومبس عابراً المحيط الأطلسي آملاً في العثور على طريق جديد إلى المشرق ، وكان بصحبته نسخة من كتاب ماركو بولو ، وفي ستينيات القرن الماضي قرر مجموعة من المسافرين أن يتبّعوا مسار بولو ذاته في رحلتهم من إيطاليا إلى الصين ، ولكن بواسطة السيارات والمخطورات بدلاً من الخيل .

أشهر أقوال ماركو بولو

لا وجود لأقواس دون الحجارة !

لم أروي نصف ما رأيت !

وفاة ماركو بولو

توفي ماركو بولو في منزله في البندقية في يناير عام 1324م ودُفن في كنيسة سان لورنزو في البندقية ، وحين كان على فراش الموت ، زاره أصدقاءه والمعجبون بكتابه ، وكانوا يناقشونه لحمله على الاعتراف بأن كتابه كان خيالاً ، إلا أن ماركو لم يتراجع وكانت إجابته “لم أروي نصف ما رأيت” .

الروابط الرئيسية

شاركني برأيك