
بداية التفكير برحلة القطار وركوبه والجو العام
من الوهلة الأولى قد يبدو التفكير في المضي قدما نحو مغامرة بهذا الشكل بأنها فكرة مجنونة أو ذات غير منفعة أو أهمية
إلا ان انجاز مغامرة بهذه الضخامة أو الشكل تعد تجربة فريدة من نوعها شكلا وموضوعا وحتى مضمونا
ترددت كثيرا في انجازها وكان بداخلي الكثير من التساؤلات ، أولها هل تستحق هذه المغامرة كل هذا العناء ؟ وماذا سوف أستفيد في نهاية المطاف ؟
الا ان الاصرار الذي كان بداخلي أقوى من استفساراتي ، وبالفعل أخذت القرار ، وعقدت العزم قدما نحو تنفيذها ، ولم يكن التنفيذ سهلا ابدا ، فوقتها كنت في جمهورية داغستان ، واضطررت للسفر الى موسكو في رحلة استغرقت ثلاث ساعات ، وفي موسكو انتظرت ترانزيت لمدة أربع ساعات ، على ان احلق مرة أخرى من موسكو الى مدينة في نهاية روسيا وهي مدينة فالديفستوك في رحلة استغرقت بداخل روسيا ثمان ساعات ونصف ، وكان وقتها فارق التوقيت سبع ساعات عن موسكو ، وعند الوصول اضطررت الى البقاء لمدة تسع ساعات حتى موعد انطلاق قطار سيبيريا العظيم باتجاه موسكو مرة أخرى ، في رحلة سوف تستغرق ست ليالي سبعة أيام ، بإجمالي مسافة قدرها 9248 كيلو متر متواصلة ، بحد ذاته الوصول الى القطار كان في غاية الصعوبة والتعقيد وكان يحتاج الى ارادة قوية وعزيمة ثابتة
ما ان وصلت الى مدينة فالديفستوك حتى كانت الطاقة الجسمانية التي كانت بداخلي منتهية تماما ، حيث انني معتاد على عدم النوم بالطائرة ، وكما ذكرت ، فإن المجال مفتوح أمامي لمدة تسع ساعات لاكتشاف المدينة ولو بصورة سريعة ، لذلك اتفقت مع أحد أصحاب التكاسي وكان من جمهورية أوزبكستان بأن يتولى عملية أخذ جولة سياحية في المدينة لمدة خمس ساعات ، وبالفعل قمت بذلك وسوف أشرح في صفحة روسيا الأماكن التي زرتها في فالديفستوك ، وذلك لأن الحديث هنا فقط عن قطار سيبيريا العظيم
في الساعة الخامسة مساء وقد حان موعد الذهاب الى محطة القطار ، وما ان وصلت المحطة واخذت شنطي تمهيدا للدخول الى المحطة ، فقد طلب مني مسئولو الأمن بالتحقق من سلامة الشنط التي لدي ، وهو ما أعطاني انطباع عام بالأمن والأمان الموجودين في تلك المحطة بشكل خاص ، وفي القطار بشكل عام ، بعدها عرفت انه ليس بإمكان أي شخص الصعود الى القطار طوال الرحلة وفي جميع المحطات من غير أخذ كافة الاحتياطات الخاصة بالأمن والأمان ، وهذا شيء يحسب للقطار وللقائمين عليه ، وكنت قبل الذهاب الى المحطة قد ذهبت الى السوبرماركت لشراء بعض الحاجات التي تمكنني من سد الجوع ولو لفترة بسيطة بداخل القطار ، وبالفعل اشتريت موز وعدد من الفواكة وعدد من الشوكلاته وقطع من الاجبان وخبز ورقائق وشوروبات
كان قد بقي ساعاتين على انطلاق القطار وهي فترة كافية جدا لمعرفة مكان وصول القطار ، ومعرفة الاجراءات الخاصة به ، كانت المحطة ذات خدمات متكاملة ، بدء من وجود شاشة عرض ترتيب وصول القطارات ، الى دورات المياه النظيفة ، اضافة الى توفر عدد من المكائن التي توفر بعض المأكولات والمشروبات الساخنة والباردة
في الساعة السادسة مساء جاءت اللحظة المنتظرة وقد اتى قطار سيبيريا العظيم الى نقطة الانطلاق ، وبعد التصوير الخارجي للقطار وللأجواء المحيطة به ، بادرت بالصعود اليه ، وقبلها قام موظف الأمن بالقطار بالتحقق من التذكرة والتي كانت موجودة في جهاز هاتفي ، وقد قارن التذكرة مع جوازي والحمدلله الامور طيبة وسلسه
بعدها هممت مسرعا الى القطار كمحاولة مني لاستكشاف المقصورة ، فإذا بها مجموعة من الغرف وعددها عشر غرف ، وبداخل كل غرفة يوجد عدد أربعة أسره ، اثنان بالاسفل واثنان بالاعلى ، وصلت للغرفة الخاصة بي وكانت تحمل رقم 8 ويحمل السرير الخاص بي رقم 32 ، حيث انه بالاعلى ، في بداية الأمر تضايقت كثيرا من مسألة كون السرير في الطابق العلوي وليس بالطابق السفلي ، ولكن عند انتهاء الرحلة شكرت الله انه كان بالطابق العلوي ، وذلك لأكثر خصوصية ، وأكثر راحة ، حيث ان من هم بالطابق السفلي يضطرون الى تحمل نزول من هم في الطابق العلوي ، وتحمل دخول وخروج الأربعة أشخاص طوال الوقت
عند الوصول الى الغرفة وجدت كافة الاحتياجات التي يحتاجها أي راكب ، من منشفة ووسادة وأغطى الوسادة وشرشف ولحاف ، الكابينة شبه مجهزة لهذا الغرض ، حيث بجانب كل يريد يوجد شاحن للموبايل ، وكذلك مصباح صغير خاص لكل سرير على حده ، وكذلك رف لبعض الاغراض الضرورية كفراشاة الاسنان والمشط ، والمعجون وماكينة الحلاقة
في الساعة السادسة وخمسون دقيقة تحديدا تحرك القطار باتجاه مدينة موسكو ، وفي تلك اللحظة لم استطع وصف شعوري ، ولا اعرف كيف سوف اتحمل تلك المسافة ، وقتها لم يكن أحد معي في الغرفة ، لذلك هممت بترتيبها ووضع شنطي تحت السرير السفلي ، وشنطتي الصغيرة في موضع التخزين في أعلى الغرفة ، وكما ذكرت سابقا بأنني لم أنام لأكثر من يوم حتى الصعود الى القطار ، فإذا بي قد نمت من تلقاء نفسي ، خصوصا ان الوقت كان مظلماً ولم يكن هناك شيء ممكن مشاهدته أو تصويره
في الساعة الثانية صباحا .. استيقضت على وقع فتح الباب وازعاج من قبل اثنين كانا قد ركبا القطار في هذا الوقت ، وكانت أسرتهم بنفس غرفتي ، أحسست بهم خصوصا وان الفوضى كانت تعم الغرفة وقت دخولهم ، ولكني لم اعبرهم اي اهتمام ، وفي الصباح وعندما استيقضت فإذا هم نائمين
ولم أشأ ان ازعجهم حتى وقت ما صحوا ، فإذا بشخص كبير في السن وشخص آخر صغير في العشرينات من العمر تقريبا ، فبادرت بالتحية وبدورهم بادلوني التحية أيضاً ، ولما كانت نفوسهم سمحة ونفوسهم طيبة وتدل على الطيبة ، الأمر الذي شجعني لأن اتناول اطراف الحديث معهم في مسائل عامة
وبالطبع كان المنقذ هو برنامج الترجمة الفورية الموجود بهاتفي ، وهو ما بعث على الكثير من السعادة والضحك في كثير من الأحيان ، كون كون البرنامج لا يلتقط بشكل دقيق كما ننطقها ، زاد النقاش وكثرت الاحاديث والتطرق لعدد من الامور سواء من ناحيتي او ناحيتهم ، حتى اصبحنا قريبين. بشكل أكبر وأكبر لدرجة ان هذا الرجل أصبح يهتم بأموري ويلاحظ احتياجاتي ، وقد أعطاني نعال من عنده ، وأصبح يزودني بالشاي بين فترة وأخرى ، ودائما ما يطلب مني التغطي جيدا أثناء الخروج من القطار وقت توقفه ، وعلى هذا الحال لمدة يومين ونصف ، وهو الأمر الذي ساعدني كثيرا في تخطي أولى الأوقات الصعبة في القطار
القطار
القطار هو قطار سيبيريا .. يخرج من مدينة موسكو الى آخر نقطة في جمهورية روسيا الاتحادية وهي مدينة فالديفستوك ، أو بالعكس من مدينة فالديفستوك الى مدينة موسكو ، وعبر رحلة القطار فهو يتوقف في الكثير من المحطات تصل في مجموعها الى سبعين محطة ، وتختلف أوقات التوقف من محطة الى اخرى ، ويأتي الاختلاف في أوقات التوقف نتيجة لحجم المدينة او القرية التي يتوقف فيها ، فمتى ما كانت المدينة كبيرة زادت عدد دقائق التوقف ، وكلما صغرت المدينة او القرية قلت عدد دقائق التوقف ، كانت الكثير من مناطق التوقف لا يتجاوز دقائق التوقف فيها عن دقيقتين ، لذلك فانه يصعب على أي راكب ان يخاطر بالنزول في المدن التي تكون أوقات التوقف فيها قليلة ، وذلك ان درجة المخاطرة فيها كبيرة ، كون القطار يمشيعلى أوقات محددة وجازمة للغاية ولا ينتظر أحدًا أبدا في حال تأخر في الصعود اليه
القطار في الشتاء
لقد كنت في غاية الحظ السعيد بأنني ركبت قطار سيبيريا العظيم في فترة الشتاء ، وهو ما اتاح لي ومكنني من ان ارى مشاهد بانورامية واخرى ساحرة ومميزة ورائعة للغاية وخصوصا في تدرجات الثلوج بين الحين والآخر ، ومناظر اخرى يسيل لها اللعاب والمتمثلة في تجمد الكثير من الأنهار والبحيرات المتناثرة طوال سير القطار ، طرقات بيضاء وناصعة واشجار انقلب حالها من اللون الاخضر الى اللون الابيض بالكامل ، مما اعطاها رونقا خاصا ، ومنحني الكثير من الراحة النفسية وصفاء الذهن والنفس والشرود بالفكر والذاكرة الى احلام كثيرة وكبيرة جميعها تصب في بث الطاقة الايجابية بداخلي
أيام وليالي لن ولم تمحوا من ذاكرتي لسنوات طويلة ، فبقدر ما كانت شاقة ومتعبة ومرهقة ، بقدر ما كانت الفرحة بداخلي لا تقدر ولا يمكن معرفة حجمها

الفترات الزمنية
ان قطع مسافة 9300 كيلومتر من مدينة فالديفستوك الى مدينة موسكو أو بالعكس ، كانت كفيلة لأن يتغير الزمن او التوقف لمدة سبع مرات طوال فترة سير القطار ، وهذا بحد ذاته يعطي شعورا غريبا ومتناقضا في عملية الشعور بالوقت بين يوم وآخر ، إضافة الى ان الشعور بحجم جمهورية روسيا الاتحادية والتي تشكل نسبة الثمن من اجمالي الكورة الأرضية

الأمن والأمان في القطار
كان الأمن متوفر بدرجة كبيرة في كافة أرجاء القطار سواء بداخله أو خارجه ، حيث انه وكما تطرقت له سابقا بأنه قبل دخول أي راكب فإنه يخضع الى تفتيش كامل لكافة أغراضه ، أما عن الأمن في القطار فهو آمن لآخر درجة ، وكثير من الأحيان كنت اترك أغراضي الشخصية على السرير دون اخفاءها ، ولله الحمد اعود اليها وأراها كما هي ، هناك يتواجد شخصين رجل وامرأة في كل كبينه يعملان على حفظ الأمن باستمرار ، وكذلك توفير المتطلبات والخدمات للراكبين ، وهم متواجدين من بداية الرحلة حتى نهايتها ، وفي هذا الأمر وكوني قد مكثت فترة كاملة بالقطار فقد بنيت علاقات طيبة بيني وبينهم ، كان الرجل يتحدث بكلمات بسيطة باللغة الانجليزية وبالكاد يفهم علي وانا بالكاد افهم عليه ، ولكن لغة التخاطب بالاشارة وبالإيحاء كانت تمشي الأمور في غالب الأحيان
الأكل في القطار
يتوفر في القطار مطعم مجهز بالكامل سواء من خلال قائمة الطعام المتنوعة او حتى على مستوى الكراسي والطاولات المريحة جداً لتتيح أجواء جميلة وقت تناول الطعام ، ومن خلال تجربتي فإن الأكل كان جيدا نوعا ما وليس شيء ، وهو أيضا في متناول الجميع من حيث الأسعار ، هذا بالإضافة الى ان في كل كبينه تتوفر بعض الأطعمة ، الخفيفة للبيع مثل الشوربات وعدد من أنواع الشوكلاته ورقائق البطاطس ، لكن الغالب والمتعارف عليه بين جميع الركاب هو أكلهم للشوروبات سريعة التحضير والتي لا تحتاج الى جهد لصنعها
الصلاة في القطار
في القطار لا يوجد مكان مخصص للصلاة ، وليس بالاستطاعة الصلاة على أرضية الغرفة ولا في الممر ولا في نهاية المقصورة كون المسافة صغيرة للغاية ، وانما من يريد الصلاة وفي قلبه يستطيع ان يصليها حتى وان كان على سريره ، اما عن اتجاه القبلة فالآن كل أجهزة الهواتف فيها يتوفر لبرامج متعددة لاتجاه القبلة

الراحة في القطار
من الطبيعي ان تنخفض درجة الراحة في القطار عن الراحة المعتاد عليها الانسان وهو في بيته ، اولا نظرا لتغيير الركاب في الكثير من محطات التوقف ، فإن ذلك يعني دخول وخروج الركاب باستمرار مما يعني حزم حقائب للمغادرين وفتح حقائب للراكبين الجدد ، ثانيا هو صحيح ان القطار سلسل في كثير من الأحيان أثناء سيره ، ولكن تبقى هناك الكثير من الهزهزة والخضخضة أثناء انحناء القطار وهو يسير او بعض المطبات والارتفاعات بين الحين والآخر
الأمر الآخر والمتعلق بالراحة في السرير ففي الحقيقة السرير قد يبدو مناسب وجيد للأشخاص النحيفين وقصار القامة ، أما الأشخاص الممتلئين فقد يكون عرض السرير عائق في راحتهم ، وكذلك الحال بالنسبة لطوال القامة ، أيضا السرير العلوي قد يعيق الأشخاص الممتلئين من الصعود والنزول بسهولة ، فأنا اعتبره أمر صعب وشاق عليهم

دورات المياه في القطار
في اعتقادي الشخصي ان تخصيص دورتين مياه في كل مقصورة يعتبر قليلا جدا قياسا بعدد الأشخاص المنتفعين منها ، صحيح ان الانتظار لم يكن طويلا في حال انشغال دورة المياة الا ان الحاجة لزيادتها أمر ضروري
وكتفين عام لدورات المياه فأنا اشبهها بدورة المياه الموجودة بالطائرة ، وفي الواقع دائما ما يتم تنظيفها أولا بأول ودائما ما يتم توفير محارم الورق والمعطر ، الا ان ما يعاب عليها هو صغر حجمها ، وقد يعاني الراكب الممتلىء من استخدامها بسهولة او اخذ راحته داخلها بشكل كامل
اما عن الشاور فلا يتوفر في هذا القطار الضخم الا حمام واحد فقط لأخذ الشاور ، وهو غير مجاني وفي نفس الوقت الوقت غير مكلف نهائيا بحوالي دولارين ، ويتعين على من يريد استخدام الشاور اخذ موعد مسبق ، الا ان المشكلة الاكبر هو ان توفر الماء الدافىء في هذا الحمام بمقدار 6 ليترات فقط ، مما يعني انه يتوجب على صاحب الطلب الاسراع في اخذ الشاور ليتمكن من استغلال الكمية الممنوحة له
التدخين في القطار
الجميل في القطار هو منع المدخنين من التدخين منعا باتا ، وهو ما يهيأ القطار لأن يكون بيئة صحيحة ونقية ، وبالتالي فان على المدخنين الانتظار حتى توقف القطار في المحطات المقررة حتى يخرجو منه ويدخنوا
توجد مسافة بين المقصورة والأخرى ولو انها صغيرة ، ولو ان درجة الضوضاء فيها مرتفعة ، حيث صوت سير القطار يكون عاليا للغاية في هذه المنطقة ، الا ان بامكان المدخنين التدخين فيها ، ولكن لو كانت فترة سير القطار في الفترة الشتوية فان هذه المنطقة تحديدا تكون باردة للغاية ، وكأن الراكب في العراء

أسعار تذاكر القطار
سعر تذكرة قطار سيبيريا العظيم تختلف من درجة الى اخرى ، ومن مسافة الى اخرى
الدرجة الثالثة
وهي الدرجة الأرخص في القطار ، حيث ان أصحابها يستخدمون الأسرة المفتوحة والعامة ، والتي لا يوجد بها خصوصية ، وهي عبارة عن مقصورة فيها أسرة متقابلة وذات طابقين ، وسعر تذاكرها لكامل المسافة 70 دينار ، حوالي 185 دولار
الدرجة الثانية
وهي للغرف الرباعية ، بمعنى ان في كل غرفة يوجد أربعة أسرة ، اثنان في الاعلى واثنان في الاسفل ، وسعر تذاكرها لكامل المسافة 120 دينار ، حوالي 317 دولار
الدرجة الأولى
وهي للغرف الثنائية ، بمعنى ان في كل غرفة يوجد سريرين فقط ، وسعر تذاكرها لكامل المسافة 280 دينار ، حوالي 740 دولار
وهنا اكرر بأن السعر يختلف بناء على المسافة المقطوعة ، وعلى الدرجة المراده من قبل الراكب ، والسعر يختلف ايضا ان كان السرير في الاعلى او في الاسفل ، الا ان الاختلافات في أسعار التذاكر في الدرجة ذاتها ليس كبيرا
الخلط بين الرجال والنساء في القطار
في القطار لا يوجد ما يسمى بأماكن مخصصة للرجال واخرى للنساء ، فجميع الغرف وفي كافة الدرجات هي مسموحة للجنسين ، ومن المشاهد التي اعتدت عليها هو وجود الخلط بين الجنسين في اغلب الغرف
محطات التوقف
يوجد في كل مقصورة جدول يوضح اسم المناطق التي سوف يقف فيها القطار ، وعدد دقائق التوقف ، مع بيان أوقات الصعود مرة اخرى للقطار ، وكذلك توقيت اختلاف الفترات الزمنية بالنسبة عن فترة التوقيت في العاصمة موسكو
بناء عليه ولعلمنا بوقت التوقف مسبقا ، فنرى كل من في المقصورة يهم بارتداء الملابس الثقيلة واخذ كافة الاحتياطات من قفاز وكمام وقبعة لمواجهة البرد الخارجي المنتظر والقاري جدا أثناء النزول من القطار ، الا انني على عكسهم تماما ، حيث انني قررت الاستمتاع بالبرودة مهما كانت قاسية وصعبة ، وهو ما جعلني اتجمد من شدة البرد في كثير من محطات التوقف ، وأصبحت الدموع تتساقط من عيني ، اضافة الى صعوبة التصوير نظرا لتجمد اصابع يدي بالكامل وبعد دقيقة واحدة فقط
درجات الحرارة خارج القطار
كانت درجات الحرارة تتغير بسرعة اثناء سير القطار ففي الظلام الدامس ترتفع الحرارة الى -20 وتقل الى -7 مع بداية اليوم ، وهو ما يدخل على درجة البرودة الشديدة التي تعرضنا لها لفترات طويلة أثناء سير القطار
درجات الحرارة داخل القطار
في الغالب تكون درجات الحرارة 24 ، سواء من خلال مكيفات التدفئة لفترة الشتاء ، او من خلال مكيفات التبريد لفترة الصيف ، مما يعني ان الراكب لن يشعر بتغلبات درجات الحرارة الخرجية للقطار سواء في فترة الصيف او في فترة الشتاء
موقف طريف
صادف ان وجدت احد الركاب وفي احد محطات وقوف القطار ان نزل بشورت قصير وتيشرت خفيف للغاية ، مما ادهشني هذا التصرف ، وكنت أتساءل هل هو عديم الاحساس بالبرد ام انه تحدي لقوى الطبيعة ام انه استهتار منه لا أكثر
وعند العودة للقطار وفي صباح اليوم الثاني قد شاهدته في المقصورة واقفا يتأمل المناظر التي بالخارج ، فاذا بي أسأله عن تصرفه الذي كان عليه في الليلة الماضية ، مما حدى به ان اجابني بأنه يشارك في مسابقات عالمية وعلى مستوى روسيا في الغطس بالثلوج ، وانه على وشك مشاركة قريبة في مسابقة كبيرة ، اضافة الى مشاركاته التي يأمل ان يشارك فيها في عام 2020 ، وكان جوابه قد أزال كافة التساؤلات السابقة بداخلي
موقف مؤثر
كنت قد لاحظت اكثر من مرة قيام امرأة كبيرة في السن ، وهي تعتني بوالدتها العجوز بشكل كبير ، حيث تمسك بيدها وتأخذها الى دورات المياه في فترات مختلفة ، ووالدتها بالكاد تستطيع الحركة ، وهذه العناية هي بالفطرة موجودة عند النساء ، وان دل فانه يدل على حنان قلب هذه المرأة ورغبتها في رد الجميل لوالدتها ورعايتها ، كما انني واثناء مروري بممر المقصورة ارها تقوم بتمشيط شعرها وكذلك باطعامها بشكل مباشر
الانجاز
وقد اسميته انجاز شخصي وحقيقي .. كيف لا وقد كنت الراكب الوحيد في القطار الذي ركبته من بدايته وحتى نهايته ، كما أنني العربي الوحيد الذي ركبه من بداية الانطلاق وحتى نهايته ، فكان الكثير يدخل ويخرج وباستمرار من القطار ، الا انني صمدت حتى النهاية
كانت الدعوات الطيبة والمباركة والداعمة تتوالى علي بشكل غزير في كل يوم ، وذلك في وسائل التواصل الاجتماعية ، وأثناء ما كنت اضع المسافة المقطوعة مقارنة مع المسافة المتبقية ، وهو مالا اخفيكم سرا به ، فان تلك الدعوات وتلك الامنيات وذلك التشجيع هو من خفف التعب والارهاق بشكل كبير ، فالحمدلله على تمام النعمة واكتمال المهمة
ان الله اعطاني معاكم عمرا لا استغرب ان اجرب مثل هذه التجربة لمرة ثانية طالما انني اكتسبت الخبرة في هذا الشأن
