
المنسف .. أشهر الأكلات الأردنية
المنسف الأردني
لا تكتمل زيارتك الى الأردن دون أن تتناول المنسف ، يقدم هذا الطبق التقليدي مع الأرز العربي ولحم الضأن والسائل اللبني الذي يعرف محليا باسم “الجميد” ، المنسف مفخرة للشعب الأردني اذ يرمز في العادة الى المناسبات السارة ، ويقدم أيضا في العزاء ليكون رمزا للتعاضد والتآزر في الأوقات الصعبة
في المناسبات يتم تقديم المنسف بطبق كبير يعرف بـ “سدر المنسف” يدعى الجميع للمشاركة في تناوله ، الأمر الذي يعد رمزا عظيم الشأن للكرم الأردني ، عند دعوتك على المنسف ، اعلم أنك ستتناوله بيدك ، على الأغلب لن تجد أدوات المائدة حولك ، وهذه هي عادات المنسف

أكلة المنسف بشكل عام
المنسف هو ثريد لحم الضأن بلبنها والخبز والقمح البلدي أو الأرز ، وهو أشهر وجبات الأردن ، وتمتد لتشمل منطقة بادية الشام الواقعة بين العراق والأردن وجنوب سوريا وشمال السعودية ، ويعتبر الأردنيون الأشهر باعداده ، فهو الطبق الوطني في الأردن ، فيطبخ بالأعراس والأتراح ومختلف المناسبات ، يتميز المنسف عن باقي أنواع الطبخ العربية باستخدام لبن الجميد (الأقط) الذي يصنع من الحليب بعد تحويله الى لبن رائب تتكون من لحم الضأن مع وسائل الجميد والأرز

طريقة الاعداد والتحضير
الفكرة الأساسية في عمل المنسف هي استخدام لبن الجميد في طبخ اللحم ، حيث ان اللبن هو أهم مكونات المنسف ، يطبخ اللحم في مرق اللحم والجميل ، وقد يخلط معه اللبن الرائب ، ويضاف السمن البلدي للأرز المفلفل ، ويقدم في طبق كبير يوجد بأسفله رغيف من خبز الشراك ومغطى بخبز الشراك أيضا (الخبز الرقيق المخبوز على الصاج) ، يوضع عليه الأرز ومن ثم اللحم ويزين باللوز والصنوبر والبقدونس المفروم
يتم اعداد المنسف من الأرز واللحم واللبن ، عادة ما يكون اللبن المستعمل معد عن طريق تجفيف اللبن وحفظه على هيئة كرات مملحة يطلق عليها اسم الجميد للدلالة عن حالته الصلبة أو الجامدة ، ومن أشهره «الجميد الكركي» المصنوع في محافظة الكرك بالأردن ، والجميد الخليلي المصنوع في قرى محافظة الخليل في فلسطين ، ولا توجد فروق واضحة بين المنطقتين ، ومن الممكن حفظ هذه الكرات الجامدة لفترات طويلة ، يتم حل هذه الكرات الجامدة ووضعها في الماء عند الرغبة بتحويلها الى سائل مرة أخرى

تاريخ وحقائق عن أكلة المنسف
تشير الرواية الشعبية المتداولة حول المنسف بالاسم الحالي الى ما قبل نحو 3200 عام ، خلال فترة المملكة المؤابية على وجه التحديد ، حين نجح الملك ميشع في تحميل الغذاء مضامين سياسية واستخدمه كوسيلة للاستفتاء الديمقراطي ليتمكن من معرفة مدى استعداد الرأي العام والرضا الشعبي لخوض معركة مصيرية ضد خصومهم التاريخيين بني اسرائيل في مملكة يهوذا على جزء من أراضي غرب نهر الأردن (الأراضي الفلسطينية المحتلة) ، والذين كانوا في حالة حرب وعداء دائم مع المؤابيين ، وكانت عقيدتهم تحرم طهو اللحم باللبن ، فبحسب التوراة وفي سفر الخروج الاصحاح تقول آية : أول أبكار أرضك تحضره الى بيت الرب الهك ، لا تطبخ جديا بلبن أمه
كانت العلاقات المؤابية مع مملكة يهوذا تمر بفترات من الشد والرخاء ، فبعد سنوات من الحروب والدماء جاءت فترات من الهدنة والمعاهدات ، وخلال احدى تلك الفترات اكتشف المؤابيون نوايا مملكة يهوذا للغدر والانقضاض على المملكة المؤابية ، فما كان من الملك ميشع حين وصل الخبر الى مسامعه الا الاستعداد للحرب ، لكن هذه الحرب كانت تتطلب الاستعداد والتضحية من الجميع والاستعداد لتحمل النتائج وأولهم الملك ميشع نفسه الذي ضحى بأحد أبناءه على أبواب قلعة مؤاب التاريخية في الكرك ، فأمر الشعب بطهو اللحم باللبن من أجل مخالفة عقيدة بني اسرائيل ، فتم ذلك وتأكد للملك أن الجميع مستعد للمعركة المصيرية ، وخلد هذا الانتصار في مسلة ميشع الحجرية المحفوظة في متحف اللوفر ، والذي دون فيها الملك المؤابي ميشع انتصاره على بني اسرائيل بقيادة ملكهم عمري
ومن هنا أصبح المنسف مصدرا للفخر في تاريخ الأردنيين وارتبط بالنصر والتضحية والاستبسال في رد المطامع والاعتداءات في وجه أعتى الممالك والامبراطوريات بما فيها الامبراطورية الرومانية التي منحت الأردنيين حكمهم الذاتي رغم امتدادها الشاسع
ولكن من وجهة نظر علمية تؤكد الأثرية أن جذور المنسف أقدم من ذلك التاريخ وتمتد لتصل الى 5000-6500 ق.م (أي قبل أكثر من 7000 سنة من الآن على الأقل) ، وذلك مع ازدهار المجتمعات الزراعية على الأرض الأردنية والتي تعتبر عين غزال في عمان الشرقية أولها وأقدمها عالميا

ومن المعلوم أن المنسف يقدم في طبق دائري كبير يسمح لعدة أشخاص بتناول الطعام في الوقت نفسه وتشير الدراسات أن هذا الوعاء صنع لأول مرة خلال فترة العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري بـ (حوالي 7200 – 6500 ق.م) ، حيث تم اثباته في المواقع المذكورة ، وهو ما يعني أن المجتمعات الأردنية الزراعية القديمة عرفت الأكل الجماعي واستخدمت أطباق تتسع لكميات من الطعام الكافي لأكثر من شخص يأكلون من نفس الطبق في ذات الوقت ، وبمقارنة الأواني الفخارية الواسعة التي اكتشفت بكثرة في مناطق خربة الزريقون شمالا وتل أبو الخرز في وادي الأردن يظهر أنها تشبه الى حد كبير طبق تقديم (سدر) المستخدم حاليا ، وتشبه الى حد أكبر النسخة الأقدم والأكبر من سدر المنسف الذي كان مستخدما خلال القرن الماضي وما سبقه
وفي دراسة أخرى نشرت عام 1986 ، تأكد أنه وخلال الفترة نفسها تم تدجين الماعز والأغنام والخيل في موقع عين غزال ، وكان 71٪ من العظام المكتشفة هناك تعود الى حيوانات مدجنة ومستأنسة ، تمثل عظام الماعز 95٪ من اجمالي العظام التي عثر عليها مما أن السكان كان لديهم فائض من حيوان الماعز في ذلك الوقت بما يسمح لهم باستخدامه كمصدر للغذاء ، الجدير بالملاحظة أنه لا يوجد دليل حتى الآن على وجود مثل هذه الأطباق الكبيرة في المناطق الصحراوية ، حيث يستخدم البدو من سكان هذه المناطق لحم الجمل بشكل أكبر في مناسباتهم وذلك بعد طهوه بالماء ويكون بذلك طبق الثريد المختلف عن المنسف ، لأن لحم الجمل اذا تم طهوه باللبن يشد ويقسو ويصبح من غير المستساغ أكله

أكلة المنسف
علاقة اجتماعية وأسرية
يعتبر المنسف سيد المائدة الأردنية والحاضر الأول في كل الطقوس والمناسبات الاجتماعية ، اذ يقدم في المناسبات المختلفة كولائم الأعراس والعقائق ومناسبات التخرج أو للترحيب بالضيوف ، وفي الأعياد الرسمية ، ويرتبط بالعديد من الطقوس والدلالات والمعاني ، فالى جانب الدلالات على كونه من أقدم الأطباق التي عرفتها التجمعات الانسانية في المنطقة والتي ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية وتقاسم الطعام وتشارك الموارد والأكل من نفس الطبق ، فهو يعكس أيضا بنية المجتمع الأردني التي تبرز فيها قيم الأرض والانتاجية من خلال تمازج المكونات والمنتجات الزراعية والرعوية ، فالمنسف لا يمكن أن يكون طبقا صحراويا ، فالقمح والأرز لا ينبت في الصحراء بالحد الذي يجعل منه جزءا أساسيا من الغذاء اليومي للبدو ، ولا المزارع المتفرغ لعملية الزراعة في حقوله وبساتينه قادر بسهولة على تأمين لحم الضأن ولبنها
يؤكل المنسف باتباع الطريقة التقليدية حيث تلتف جماعة حول طبق كبير واضعين أيديهم اليسرى خلف ظهورهم ويأكلون بأيديهم اليمنى دون استعمال الملاعق ، حيث يعتبر استخدام الملعقة في أكل المنسف غير مقبول حسب التقاليد

آداب وقواعد أكلة المنسف
آداب وقواعد عليك الانتباه لها أثناء تناولك أكلة المنسف
• يقدم المنسف في طبق دائري مفتوح كدلالة على المشاركة والمساواة ، ويوضع تحته خبز الشراك الرقيق ثم الأرز أو البرغل ، ويوضع فوقه اللحم ويغطى بأرغفة خبز الشراك من الأعلى ، ويقدم اللبن جانبا
• يؤكل المنسف بثلاثة أصابع من اليد اليمنى (الابهام والسبابة والوسطى) أو بأصابع اليد كلها ، ويعتبر من العيب أن يصل الطعام الى بطن اليد أو ظهرها ، ويأكل الناس المنسف وقوفا ، ويفضل وضع اليد اليسرى الى الوراء أو خلف الظهر
• يبدأ تناول المنسف بعملية (الفجولة) وهي بضع حركات لتحريك الغماس سواء كان من الجريش أو الأرز ، ليمتصه اللبن ويتمازج معه ويبرد قليلا
• يتم سحب كمية بسيطة من الغماس باستخدام طرف الأصابع وبعض من خبز الشراك وصناعة كرة صغيرة من الأرز والخبز واللحم ، ويتم دفعها بأصابع اليد لتدخل في جوف الفم ، دون أن تلمس الأصابع الشفاه
• يتولى المضيف مهمة استدامة سكب لبن المنسف للضيوف بناء على رغبتهم وبعد سؤالهم
• يراعى أثناء تناول الطعام الحفاظ على جودته ونظافته ووفرته ، حيث يؤكل المنسف على طورات (جولات أو مجموعات) متتالية من الضيوف ، وهي عادة درجت قديما يتم تشارك الطبق الواحد من عدة مجموعات ، في المناسبات الاجتماعية ذات الحضور الواسع ، تعرف المجموعة الواحدة من الآكلين أو الضيوف بـ الطور أو الطورة
• يوضع رأس الذبيحة مطهوا على المنسف في وضع الاعلان عن المناسبة ، فيكون مرفوعا لأعلى في الأفراح ، ومتجها للأسفل في الأتراح (مثل العزاء)
• من المعيب عموما على الضيف أن يمس رأس الذبيحة ، ومن المتعارف عليه أن يتولى هذه المهمة المضيف أو كبير القوم ، نظرا للدلالة الرمزية للرأس ، كما يعتبر قطع لسان الذبيحة وتقديمه للضيف نوعا من التوجيب له ، ولذلك دلالة رمزية أحيانا حين كان يقدم اللسان لشاعر أو خطيب مشهود له بالفصاحة ، كذلك لا ينبغي أن تمد يد الضيف الى اللحم في أعلى سدر المنسف أو اللحم عند جاره ، لكن الرجل الكريم هو الذي يقطع اللحم من أمامه ويدفنه تحت الأرز ، ليجد الآكل أو الضيف اللاحق (الطورة) شيئا يأكله حين يأتي دوره ، أو أنه يعطي اللحم لمن هو خلفه من المنتظرين في الطورات التالية ومن الأمثلة الأردنية الدارجة عن هذه الحالة المثل القائل : (اقعد خلف الرجال ، وشوف ويش يمدولك)
• يعاب على الضيف أن يظهر قاع الطبق (بطن السدر) لما فيه من دلالة على جشع الضيف ، بل يستخدم الآدام (ما يغمس به من خبز الشراك) ، ولا تغمس اللقمة كاملة بالخبز ، بل طرفها فقط ، ولذلك يعتبر في قانون الضيافة الأردني أن نقص الخبز عار على المضيف ، بينما نقص الغماس عار على الضيف
• من دلالات كرم المضيف سكب السمن الذائب (السمنة السائلة) أمام الضيف اضافة الى عدد جيد من أرغفة خبز الشراك ، ومن زيادة كرم المضيف عند بعض العشائر الأردنية وضع الزبد (الزبدة) أمام الضيف ، وذلك لأن هذه المواد الثلاثة هي مونة أبناء العشائر الأردنية وتحديدا القبائل البدوية لما تمثله من رمزية لأمنهم الغذائي

تعقيب: السياحة في الأردن – سفير المحبة