الرحالة العرب – الحسن الوزان ليون الأفريقي

الحسن الوزان ليون الأفريقي : هو رحالة قصة حياته بالفعل تصلح لصنع فيلم سينمائي ، فقد ولد وعاش طفولته في الأندلس قبل سقوطها في ايدي اسبانيا ، ثم انتقل ليعيش في المغرب في مدينة فاس وأصبح سفير للسلطان وارتحل بين العديد من البلدان خصوصا الأفريقية مثل تبمكتو وزار كذلك مصر واسطنبول وحج ، الا ان سقط في الأسر وتم اقتياده وتقديمه كهدية للبابا ليون العاشر ، وهو من أجبره على اعتناق المسيحية واجباره على الحياة في روما وتعليم اللغة العربية ، وقد كتب مجموعة من الكتب خلال فترة أسره في الأدب والجغرافيا وأشهرها على الاطلاق كتاب (وصف أفريقيا) وهناك اقوال في موته ، فالبعض قال انه توفي في روما ، بينما الغالبية تميل لعودته الى تونس ليعيش فيها حتى وفاته ، وقد تم تقديم حياته في فيلم وثائقي على قناة البي بي سي باسم Leo Africanus A Man Between Worlds وكتب أمين معلوف رواية عن قصة حياته

ان شخصية ليون الافريقي واحدة من أكثر الشخصيات اثارة للجدل في تاريخ المغرب ، فالبعض رماه بالخيانة لملته وقومه واتهمه بالتحامل على بني جلدته ، والبعض الآخر رفعه الى مصاف عظماء البشرية الذين خدموا العلوم الانسانية وبصموا تطورها ببصمتهم الخاصة

و لكل فريق أدلته وحججه غير أنه لا خلاف بين الفريقين على أن ليون ظاهرة تستحق الدرس وأن عطاءه تجاوز حدود الأمكنة والأزمنة معا وصار مصدرا يتغذى منه الخيال الأوروبي في كل الصور التي يرسمها عن افريقيا حتى انك لا تكاد تجد مؤلفا أو بحثا أكاديميا جامعا في جغرافية افريقيا لا يتصدره اسم ليون

ظل ليون مجهولا عند المغاربة والمسلمين الى أن بعثه المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون من وهدة الرقاد وقدمه للعالم من خلال أطروحته لنيل الدكتوراه عن معجزة وصف أفريقيا ، فكانت أطروحته مدخلا لاقبال العرب عليه ، وقد اعتمدت الادارة الاستعمارية الفرنسية على توصيفات ليون الدقيقة في حملتها على المغرب ودول شمال أفريقيا وباقي الدول التي أخضعتها لهيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية

ان ليون لم يكن غير لورانس آخر قدم من افريقيا دون تكليف من أحد ، بل ودون قصد اذا شئنا الدقة فعبد الطريق أمام الغزاة ومن هنا نتفهم أسباب الكراهية التي يضمرها له بعض الدارسين ، وأما أولئك الذين أسعفهم ليون في بسط نفوذهم على دول كانوا يجهلون عنها الكثير فقد حظي عندهم باحتفاء منقطع النظير

أنجزت العشرات من الدراسات الأكاديمية حول ليون الافريقي واستعاده المغاربة لاحقا الى وطنه حسب تعبير محمد المهدي الحجوي من خلال التراجم الفرنسية والايطالية والألمانية التي اشتغلت على تراثه

ان قراءة ليون من خلال اللغات الأخرى تفرض على الباحثين الكثير من الحذر ، فذاتية المترجم غالبا ما تنعكس على النصوص المترجمة فتصبغها بصبغة خاصة وهو ما سنعرض له عند الحديث عن إساءة ليون لأمته

لم يبق ليون حبيس الأبحاث والدراسات العلمية اذ سرعان ما سيقتحم مجال الأدب من خلال رواية أمين معلوف الذي حاول تقديمه للجمهور مجردا من الانتماء الديني والقومي منتسبا للانسانية جمعاء أو بتعبير معلوف عن لسان ليون أنا ابن السبيل وطني هو القافلة وحياتي هي أقل الرحلات توقعا

ولد أبو علي الحسن الوزان الفاسي عام 901هـ الموافق لعام 1496م بقرناطة ، ولم تثبت عنه أية اشارة الى نسبه ولكن معاصريه راميزيو وويدمانسطر أثبتا نسبه الغرناطي ، نشأ الوزان بمدينة فاس بعد هجرة أسرته اليها بعيد سقوط غرناطة وتبوأ والده مركزا مرموقا لدى السلطان الوطاسي فأرخى ذلك بظلاله على حياة الوزان الذي ترعرع في نعيم مقيم ، رافق الحسن والده في رحلاته التي فرضتها طبيعة المهام التي أوكلت اليه من قبل السلطان ففتح عينيه على اختلاف عادات الناس مبكرا ، ووعى ذهنه تغيرات المناخ وتنوع التضاريس والأغطية النباتية واستوعب عقله مسالك الرحلات وطرقها فكانت رحلاته مدرسته الأولى في علوم الجغرافية ،وكغيره من أبناء الأعيان التحق الوزان بالقرويين وتلقى بها علوم عصره الدينية والنظرية فكانت واحدة من روافد شتى أغنت تكوينه العلمي المعرفي

عين الوزان عدلا بمستشفى سيدي فرج على عهد الوطاسيين وعمره لا يتجاوز الحادية عشرة ثم تقلد مهام السفارة بين الوطاسيين والبرتغال بعد ذلك في سن الرابعة عشرة واتصل بالشريف محمد السعدي فخدمه ولم يبلغ السابعة عشرة ، خبر الوزان الاضطرابات السياسية عن كثب ، وعاين خصومات الوطاسيين والسعديين ثم شاهد بأم عينيه انقضاض البرتغال على السواحل المغربية ، ولعب أدوارا سياسية هامة في السفارة بين كل تلك القوى المتصارعة فعركته التجارب في سن مبكرة

زار الوزان بلادا كثيرة في رحلاته المتعددة خارج أرض الوطن وأم أقطارا متنوعة فتنقل بين تمبكتو والسودان ومصر وجزيرة العرب وتركيا وتونس وطرابلس وأرمينيا وبلاد وفارس وغيرها

في عام 926هـ وقع الوزان الفاسي في أسر القراصنة الايطاليين أثناء ابحاره من تونس في اتجاه المغرب وقد نقل الى نابولي في جملة الأسرى الذين نقلوا اليها ، وعرف القوم فضله فقدموه هدية الى البابا ليون العاشر فوجد فيه ضالته ، فالوزان عالم فذ من ألمع علماء المغرب والبابا حامل لواء المسيحية وحامي بيضتها ما كان ليجد أسنح من تلك الفرصة ليغترف من معارف المسلمين وعلومهم وكان في يقينه أن المسيحية لا يعلي شأنها غير العلم خلاف الكثير من أبناء ملته ، فصمم على الاستفادة من الوزان خاصة بعد أن لمس أنه موسوعة متنقلة في مختلف الفنون والمعارف

أكرم البابا الوزان وزعموا أنه عرض عليه المسيحية فتنصر ومن ثم أطلق عليه اسم يوحنا الأسد ومع توالي الأيام سيلتصق به إسم الأسد الافريقي أو ليون الافريقي بلغة القوم ،و لم يخب ظن البابا فالوزان درة ثمينة بين علماء عصره اذ سرعان ما سينخرط في الانتاج العلمي بعيد استقراره بايطاليا ، وكانت ايطاليا يومها قلب النهضة الأوروبية النابض فتهيأ للوزان فيها من أسباب الراحة ما ساعده على الابداع فودع فيها شخص الوزان السياسي الرحالة وأقبل على التأليف بكليته

كان لنشأة الوزان العلمية عظيم الأثر في تمتين معارفه وغزارتها فقد درس التاريخ في القرويين وتعلم الأدب والمنطق والأصول وغيرها وحفظ كتبا بأكملها عن ظهر قلب كما أشار الى ذلك بنفسه عند حديثه عن فكر الغزالي وكان من حسنات اجتهاده في الطلب في كل الاتجاهات أن استوت العلوم في حافظته يأخذ بعضها برقاب بعض ، فتمخضت عن قلم سيال في التأليف والتصنيف لا يختص بعلم دون علم ولا ينفرد بفن عن سائر الفنون ألف الوزان في الطب باللغة اللاتينية التي أتقنها الى جوار الايطالية والاسبانية والعربية لغته الأم ، وألف في التاريخ مختصر تاريخ الاسلام ، وألف في العقائد والفقه كتابا أشار اليه في كتابه الجغرافي ولم يذكر اسمه وكتب الشعر منذ الصبا وبرع في نظمه غير أن أهم علم برع فيه الوزان وبلغ فيه شأنا عظيما هو علم الجغرافية وفيه ألف كتابه الشهير وصف افريقيا معتمدا على حافظته ومستمطرا لقريحته دون سواها ،ولم تكن بين يديه عند الشروع في تأليفه مراجع يقتبس منها أو يحيل عليها فجاء مؤلفه باكورة لتصوراته المنهجية والمعرفية والعلمية

ضم كتاب الوزان جغرافية افريقيا العامة فعني بوصف الطبيعة والطقس والتجمعات السكانية ، ميز بين المدن والبوادي وأفرد فصولا منه لدراسة الأنهار ومجاري المياه وبين فيه مسافات الطرق ثم أضاف الى كل ذلك دراسة قيمة مستفيضة في أنواع الأوبئة التي تصيب ساكنة افريقيا وخص كل منطقة من مناطق بحثه بحديث عن الصناعة والتجارة المرتبطة بها مع ذكر ثرواتها ومعادنها ولم يغفل أحوال تلك البلاد السياسية والدينية ، وفصل في مؤلفه انتماء القبائل وأصولها وأساليب تنظيمها وحكمها وأنظمة الجباية فيها ، وقد أخذ عليه الكثير من الدارسين استخدامه لعبارات قدحية في حق اخوانه المغاربة ومن سواهم في بلاد المسلمين وعدوا ذلك دليلا قاطعا على خيانته لأمته بعد تنصره وأنه بفعله ذاك كان يحطب في حبل أعداء ملته ومن أمثلة ذلك قوله في وصف إفريقيا أما القاطنون بضواحي مستغانم فهم وحوش ولصوص يرتدون أرذل لباس ولا يبتعدون عن الصحراء اذ لا موطن لهم في بلاد البربر أنهار ومجاري المياه وبين فيه مسافات الطرق

وفي موضع آخر يقول عن أهل السودان بأنهم يعمرون أقل مما تعمر الأجناس الأخرى لكنهم يبقون دائما أقوياء ، وأسنانهم سالمة على حالها لا تتغير وهم فاسقون فجرة

ويقول عن البربر والأزواج المخدوعون عندهم أكثر من غيرهم ويمكن لجميع الفتيات أن يكون لهن قبل الزواج عشاق يذقن معهم حلاوة الحب ويرحب الأب نفسه بعاشق ابنته أجمل ترحيب وكذلك يفعل الأخ بعاشق أخته ، وغير هذه النماذج أوصاف كثيرة أساء في بعضها والتزم الموضوعية في بعضها الآخر

ان الحسن الوزان الذي نقرأه اليوم لا نقرأه في نسخته الأصلية لأنها ضاعت مثلما ضاع تراثه في الطب والفقه والتاريخ وإنما نقرأ ترجمة الغرب الذي احتضن الوزان بعد تنصره مكرهااذا صحت مزاعم الرواةووضعه تحت رعاية البابا ، ومعلوم أن ابن بطوطة الذي ألف كتاب رحلاته في كنف أبي عنان لم يسلم من تطفل ابن جزي على مشاهداته التي أفنى فيها زهرة عمره فأضاف اليها ما لم يرد عن ابن بطوطة فكيف يسلم الوزان من تطفل المترجمين الذين لا يحملون نفس دينه ولا ينظرون الى قومه مثل نظرته ، ولا يشعرون بوشائج القربى تجاههم مثل شعوره وفوق هذا وذاك لم يسلم من بطشهم الا بتغيير دينه وعقيدته

كان للوزان أبلغ الأثر في تشكيل الذهنية الأوروبية في تمثلاتها حول افريقيا ولا ذنب له في خدمة العلم الذي يظل قيمة مشتركة بين بني البشر أجمعين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم ولو قدر له أن يكتب في غير كنف البابا لجاء كتابه مختلفا بل لو أننا قرأناه في نسخته العربية دون أن نكون مضطرين لترجمة مؤلف لا يعدو أن يكون هو الآخر ترجمة لا ندري مدى دقتها وأمانتها في نقل أفكار الوزان لقيض لنا عندها أن نفهم مراميه فننصفه ، والوزان نفسه أشار الى صعوبة نقل الكثير من المعاني من لغة الى أخرى أثناء الترجمة ، وقد أحجم عن ترجمة كتب الغزالي لدقة معانيها على حد وصفه فلا نستبعد أن تكون الشتائم التي وردت في ثنايا كتبه في حق أبناء أمته من وضع المترجمين لا من بنات أفكاره ، خاصة اذا علمنا أن الحنين الى وطنه والى فاس تحديدا ما برح يقض مضاجعه في غربته

لما توفي البابا رجع الأسد الى تونس واسترد هويته التي أجبر في أسره على التملص منها كما عاد الى دينه الذي أرغم على تركه وهناك انقطعت أخباره وفقد أثره يقول ويدمانسطار انه رجع الى تونس ، لا أدري بعد هذا كله هل عاد الى وطنه المغرب أو فاس التي طالما تغنى بها أم لا

كانت آخر أمنية للوزان أن يؤلف كتابا عن جغرافية أوروبا ولعله شرع فيه بعد عودته الى تونس لكن الثابت أن آثاره فقدت نهائيا بعد رحيله عن ايطاليا وقد أشارت بعض الدراسات الى أن وفاته كانت عام 956 هـ دون أن تدلي بما يعضد هذا الزعم فآخر محاولة لتقصي أخباره كانت تلك التي قام بها معاصره ويدمانسطار بأمر من تلميذ الحسن ، الكاردينال جيل دو فيطرب ومعلوم أنها باءت بالفشل ، ولذلك أجمع غالبية الدارسين على أن مصيره ظل مجهولا وسيظل كذلك ما لم تظهر مؤلفات له أو عنه تنير العتمة التي أحاطت بحياته بعد رحلة تونس

الروابط الرئيسية

1 تعليق على “الرحالة العرب – الحسن الوزان ليون الأفريقي

  1. تعقيب: الرحالة العرب – سفير المحبة

شاركني برأيك