
شيخ الرحالة العرب والمسلمين
شيخ الرحالين العرب والمسلمين عبدالله محمد بن يوسف الطنجي المعروف بــ ابن بطوطه ، والذي طاف حواضر العالم القديم وممالكه ، وصرف من عمره 28 عاما قضاها في الأسفار مغامرا وراء المعرفة وحب الاكتشاف
من الشمال الافريقي الى آسيا الوسطى ، ومن مكة المكرمة الى الهند والصين ، ومن افريقيا الوسطى الى دمشق وبيت المقدس


الرحالة القادم من القرن الثامن الهجري …
والمولود في مدينة طنجة على البحرين المتوسط والأطلسي يقول الشاعر على كنعان لا يملك قارىء ابن بطوطه الا ان يقف بتأمل واعجاب امام هذا الرائد المغامر الذي استطاع ان يصل الى اقاصي الشرق سائحا في شتى ديار الاسلام ، مستطلعا مجاهد الارض ، ومتأملا في الوان الخلق على اختلاف اجناسهم وأحوالهم وتنوع عاداتهم وانماط معاشهم ، متحملا مشاق السفر ومفاجآته ، وغير عابيء بمواجهة الصعاب والأخطار
والواقع ان شمس الدين لم يرهبه الاسر والاغلال واحتمال الهلاك ، ولا اضعف همته وثبطه عن مرامه بُعد الاهل وكيد الحساد وتآمر الاعداء ، ولم يقعده التعب ولا الضنى عن طلب المزيد ، فلقد تحدى الرحالة الطنجي المخاوف والأهوال الطارئة في مناطق شتى من آسيا وشطرا من أفريقيا ، لكنه واصل الترحال بصبر وعزيمة وايمان حتى ظفر بما اراد وعاد الى وطنه حاملا لنا (تحفة النظار في عجائب الأمصار وعجائب الأسفار) كما اراد ان يسمى ثمرة خبراته في أقاليم الاغتراب

ان حوالي ثلاثين سنة امضاها شيخ الرحالين العرب وهو يطوف ارجاء اسيا وافريقيا فضلا عن العدوى الاندلسية تجعل القارىء بعد هذه المئات من السنين مدعوا الى ان يسافر في صحبته ويعيش معه ويشاركه رهبة الطريق وحرقة الضمأ وقسوة المرض واقتحام المجهول
لم يكن ابن بطوطه تاجرا او مسافرا عاديا ، بينما هو يسعى في مناكب الارض منطلقا من طنجة على شاطىء الأطلسي في المغرب العربي ، الى اقاصي آسيا على حافة المحيط الهادىء ، لكنه كان شاعرا طليق الخيال ، وعالما جادا متبحرا في علوم دينه ، مفعما بالهواجس والروىء والتطلعات لارتياد الآفاق القصية ، والرجوع بما لم يستطع حتى السندباد الاسطوري ان يحرزه ويعود به
بدأ شيخ الرحالة العرب مغامراته شابا …
وهو في الواحدة والعشرين من عمره ، وعاد الى وطنه وهو على عتبة الخمسين ، ثم لم يلبث ان عبر البحر الى الاندلس عازما على المشاركة في الجهاد ، لكنه سرعان ما عاد الى المغرب ، ولم يشأ ان يخلد الى الراحة والاستقرار ، بل شد الرحال من جديد ليطوف هذه المرة الى بلدان افريقية يطلق عليها جميعا اسم السودان ربما ايثارا للاختصار او لعله اراد تمييز أهلها من البيضان حسب تعبيره
من يمعن النظر في حياة ابن بطوطه واتساع المجال الجغرافي الذي قطعه وتجول في ربوعه وكثرة الناس الذين لقيهم وبنا معهم جسور العشرة والمودة ، لابد ان يتلمس في شخصيته طبع العالم المفعم بالقلق ، وعشق المغامرة والترحال وحب الاستطلاع وشغف التحصيل والاستزاده من المعرفة ، سواء فيما يتعلق برصد خيرات الأرض ومعالم المكان وآثار العمران ، او في مخالطة الناس والتنقل بين شتى الحواضر والشعوب وتأمل أحوالهم ومواسمهم وعاداتهم وطقوسهم في العبادة والزواج والاحتفال ، وألوان مأكلهم ومشربهم ولباسهم وسكناهم
أهتم ابن بطوطه بزيارة الفقهاء والأولياء والصالحين ، وان كانوا في جزيرة نائية او جبل شاهق ، ولعل حب الرحالة للغة العربية والتعلق بها جعله يستغرب ما سمعه في أحد مساجد البصرة من لحن في القراءة ورطانة في الفظ العربي السليم ، ولم يستطع اخفاء ذلك بنفسه بل تساءل واستنكر وان جاءه جواب غير مقنع ، لكن هذا الاقتناع بلغته الأم لم يحل دون اهتمامه بلغات اخرى كالتركية والفارسية ثم الهندية ، وذلك ما يسر له سبل التعبير والمحادثة والتفاهم والاختلاط مع الوان من الناس الذين صادفهم وعاش بينهم
شاهد أبن بطوطة ..
في ترحاله الوان شتى من المكارم والاعمال النبيلة مثل ما رأى اشكالا فضيعه من المظالم والأحكام الجائرة امثلة مدهشة من مظاهر الكرم التي رآها وسمعها عن ملك الهند مثلا ، لكن جمال الكرم وسماحة النفس وطيب السخاء لا يمكن من بشاعة التعذيب والقتل والتمثيل ، والغريب ان اعمال القتل لم تقتصر على الجناة من الغرباء ولكنها طالت في الغالب أقرب الناس للحاكم المتسلط ومنهم الابن والاخ والصهر ، ولم يكن للرحم او القربى اي حرمة او حصانة ، وقد تركت هذه المشاهد الفضيعة آثارها الجارحة في نفس الرحالة حتى حرمته من طمئنينة النوم وراحة البال


ومن رحلته في جغرافية الامبراطورية التركية او ما كان يسمى بأرض الروم يقول ابن بطوطه وهذا الاقليم المعروف ببلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا ، وقد جمع الله فيه ما تفرق من محاسن في البلاد ، فأهله أجمل الناس صورا وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم واكثر خلق الله شفقة ، ولذلك يقال البركة في الشام والشفقة في الروم ، وانما عنى به أهل هذه البلاد
في زمن كانت أسرع وسيلة انتقال به هي الخيول والابل ، تتجلى قيمة رحلات واسفار أحد أعظم الرحالة المسلمين وأوسعهم شهرة وهو الرحالة العربي ابن بطوطه ، والذي سمي بشيخ الرحالين لكثرة طوافه في الآفاق
فقد أمضى ثماني وعشرين عاما من حياته في أسفار متصلة ورحلات متعاقبة فكان اوفر الرحالين نشاطا واشهرهم عناية بالحديث عن الحالة الاجتماعية في البلاد التي تجول فيها ، كما كان من المغامرين الذين دفعهم حب الاستطلاع ، الى ركوب الكثير من الصعاب
ولد في مدينة طنجة ..
عام 703 هـ / 1304م ، وينسب الى قبيلة لواته البربرية وينحدر من أسرة عالية النسب ، وفي طنجة درس ابن بطوطه العلوم الشرعية وفقا للمذهب المالكي السائد في اقطار المغرب ولكن يبدو انه لم يتم دراسته للفقه عند سن الحادية والعشرين والتي خرج فيها للرحلة ، فقد كانت رغبته في السفر والتجوال اكثر من رغبته في اتمام الدراسة
كان الدافع وراء خروج ابن بطوطه لرحلاته في البداية هو اداء فريضة الحج ، اضافة الى رغبته في رؤية احوال الناس في مختلف الاقطار وشوقه للمعرفة وولعه بالتنقل والمغامرة والتجربة
بدأت رحلة ابن بطوطه الاولى حينما طاف بأنحاء المغرب الاقصى ثم اتجه نحو الشرق عبر الجزائر ثم الى تونس ليبيا ، وانتهى به المطاف في مصر ، ومن الاسكندرية اتجه جنوبا الى القاهرة ثم الى الصعيد حتى وصل الى ميناء عيذاب على ساحل البحر الاحمر ، ثم عاد الى القاهرة وتابع رحلته الى مكة المكرمة عن طريق بلاد الشام
وبعد اداء فريضة الحج اتجه الى العراق وايران وبلاد الاناضول ، ثم عاد الى الحجاز وحج للمرة الثانية ، وبقى في مكة عامين ، وفي عام 1329 هـ غادر الحجاز الى اليمن وبلاد الخليج العربي ، وقد تحدث ابن بطوطه عما وجده هناك من عادات وتقاليد وانواع واطعمه غريبة لم يشاهدها من قبل ، ثم سار في الخليج العربي متجها الى البحرين والاحساء

بعد ذلك اتجه الى بلاد الروم (الدولة البيزنطية) ومنها عاد الى مكة ليحج للمرة الثالثة في حياته ، ثم قطع البحر الاحمر فوصل الى وادي النيل كي يحاذيه باتجاه الشمال قاصدا سوريا ، ومنها ركب البحر من اللاذقية قاصدا اسيا الصغرى ، ثم قصد شبه جزيرة القرم ، وتوغل حتى بلاد روسيا الشرقية ، وهناك انضم الى سفارة السلطان (محمد يزبك) الذاهبة الى القسطنطينية ، وعاد الى القرم كي ينطلق منها الى بخارى وبلاد الافغان ، الى ان وصل الى (دلهي) في الهند فاستقر بها سنتين ، وعمل خلالهما قاضيا للمذهب المالكي
ولقد حاول ان يرافق بعثة سياسية ارسلها سلطان الهند (محمد شاه) الى ملك الصين ولكنه لم يوفق في ذلك ، فاستمر في رحلته ودخل بلاد الهند الشرقية وجزر اندونيسيا ، ووفق الى زيارة الثغرين الصينيين (تسوتونج) و(كانتون) ثم عاد الى الجزيرة العربية عن طريق (سومطرة) في عام 1947 هـ ، ومنها صعد في الخليج العربي ، وعاد الى بلاد فارس عن طريق ميناء (هرمز) ثم سافر الى العراق فبلاد الشام ، فمصر ، ومنها انطلق الى مكة ليؤدي فريضة الحج للمرة الرابعة ، ثم واصل سيره الى بلاده حتى وصل الى (فاس) في المغرب الاقصى عام 1349 هـ ، وبعد ان قام فيها مدة عام عاوده الشوق والحنين الى الترحال ، فقام برحلة ثانية الى (غرناطة) بالاندلس
ثم عاد الى فاس ليهيى نفسه لرحلة الى افريقيا الغربية عام 1353 هـ ، فدخل (تومبوكتو) و(هكار) ومنها عاد الى المغرب ليستقر هناك حتى توفي
هكذا أمضى ابن بطوطه اكثر عمره في الترحال بين المدن والبلدان ، من أجل رؤية عادات الشعوب والاقوام ، ليسجل تلك الاحداث في عصر كان يعيش الناس فيه وكأنهم في جزر منعزلة لا يعرفون الا القليل عن البلاد الاخرى
وفاته ..
توفي ابن بطوطه في مراكش عام 1377 هـ بعد ان عاش حياة زاخرة بالاحداث وكان له الفضل على الجغرافيين العالميين ، لانه ترك صورا صادقة للحياة في العصر الذي عاش فيه ، بعد ان قطع ما يقرب من 75 الف ميل ، سعيا وراء المعرفة
