
سلطنة عمان
الأسرة البوسعيدية
تمثل مبايعة الامام أحمد بن سعيد الذي كان واليا على صحار وما حولها في عام 1744م بداية لحقبة جديدة في التاريخ العماني ، استمرت بمراحلها المختلفة على امتداد أكثر من مائتين وثلاثة وسبعين عاما حتى الآن ، وجدير بالذكر أن تولي الامام أحمد بن سعيد الامامة في عمان جاء نزولا عند رغبة أهل الحل والعقد في عمان في ذلك الوقت بالنظر لمواقفه وشجاعته وبخاصة في تخليص البلاد من الغزاة الفرس
وقد شهدت البلاد ولأول مرة في عهد الامام أحمد بن سعيد الذي أسس الدولة البوسعيدية نوعا من السلطة المركزية بعد أن تمكن من توحيد القبائل المتناحرة ، وبادر باتخاذ الاجراءات الكفيلة بترسيخ قواعد الدولة واعداد قوات مسلحة تتناسب والتحديات التي تواجهها عمان ، ثم قام بتحديث الأنشطة الاقتصادية وامتلك أسطولا حربيا وتجاريا ، وفي عهده حافظت مسقط على مكانتها كاحدى أهم المدن التجارية في المنطقة وغدا ميناؤها من أهم الموانئ التجارية التي ترتاده السفن الأوروبية ، كما أعاد لعمان دورها في المنطقة ، وليس أدل على ذلك من أنه أرسل نحو مائة مركب تقودها السفينة الضخمة (الطراد الرحماني) في عام 1775م الى شمال الخليج لفك الحصار الذي ضربه الفرس حول البصرة في ذلك الوقت بعد استنجاد والي بغداد ، وتمكن من فك الحصار
وتجمع المصادر العربية والأوروبية على أن هناك عوامل عديدة ساعدت العمانيين على الانفراد بدور رائد تأتي في مقدمتها المهارة والخبرة الملاحية والتجارية حيث اكتسب العمانيون رصيدا ضخما من التجربة تعد محصلة للأحداث التاريخية والموقع الجغرافي والتراث العماني ، ثم الاستقرار الذي شهدته عمان وتمتعت به الموانئ العمانية في الوقت الذي سادت فيه الفوضى وعم الاضطراب أغلب موانئ الخليج ، ثم تأتي شخصية أحمد بن سعيد الذي تميز بدرجة كبيرة من الانضباط والحسم والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة ، اضافة الى احترام القوى الأوروبية له وثقتها في سياسته التي جذبت الأجانب وحفزتهم على انشاء وكالات تجارية لهم في المدن العمانية وخصوصا مسقط التي أصبحت سنة 1790م من أهم المدن الآسيوية وفقا لتقرير أعدته شركة الهند الشرقية الانجليزية
وبعد أن توفي الامام أحمد بن سعيد في الرستاق سنة 1775م والتي كانت عاصمة له ، خلفه عدد من الأئمة والسلاطين البارزين الذين حافظوا على استمرار حكم أسرة البوسعيد وفي عهد حفيده حمد (1779م ـ1792م) انتقلت العاصمة من الرستاق الى مسقط لتستقر فيها حتى الآن ، ومن المعروف أن الشعور العميق لدى العمانيين بالانتماء الى أرض عمانية واحدة تترابط معا بقوة أبنائها في مواجهة أية تحديات خارجية ظل يمثل حقيقة متصلة عبر كل مراحل التاريخ العماني ، ومن ثم فان استمرار أسرة البوسعيد في الحكم منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى الآن قدم في الواقع سياجا آخر لدعم الوحدة الوطنية العمانية خاصة في مراحل محددة بلغت ذروتها في عهد السيد سعيد بن سلطان (1807م ـ 1856م) ثم في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيدبن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ باني نهضة عمان الحديثة
وبغض النظر عن بعض فترات الضعف والانكماش التي حدثت ، الا أن هذه الحقبة التاريخية المستمرة قد أثمرت عديدا من الانجازات المهمة في مسيرة عمان التاريخية ، ولعل من أبرزها التخلص من كل صور ومظاهر الاحتلال والنفوذ الأجنبي ، وبناء امبراطورية عمانية كبيرة امتدت لتشمل مناطق عديدة في شرق أفريقيا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وقد فرضت هذه الامبراطورية وجودها البحري في المحيط الهندي وأقامت علاقات سياسية متوازنة مع القوى العظمى في ذلك الوقت خاصة بريطانيا وفرنسا بالاضافة الى الولايات المتحدة الأمريكية ، والتغلب على مختلف التحديات الداخلية والاقليمية وارساء أساس قوي لعلاقات متوازنة خليجيا واقليميا ودوليا أتاح للسلطنة الحفاظ على مصالحها الوطنية ، وكذلك بناء دولة عصرية مزدهرة تمثل الأم بالنسبة لكل أبنائها ويتمتع فيها العمانيون بحق المواطنة على قدم المساواة ، وقبل ذلك وبعده تحقيق استمرارية ووحدة التاريخ العماني واستعادة مجد عمان واسهامها الحضاري المتواصل
