المستكشفين العالميين – كريستوفر كولومبوس

كريستوفر كولومبوس .. أمير المستكشفين

كانت السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر فترة تغير كبير وانفتاح في أوروبا ، ففي القارة التي بقيت لسنوات عُرضة للانقسامات والنزاعات ، بدأت تظهر رُوح جديدة ، روح التطلع إلى المعرفة ، وعُرفت تلك الفترة فيما بعد .. بعصر النهضة ، وظهرت هذه الروح التطلعية واضحة في مجال الاستكشافات

كانت أوروبا تتوق لكسر الحواجز ونشر سيطرتها على كل ما يحيط بها ، فبدأت الحكومات الأوروبية والتجار يعيرون اهتماما متزايداً لاحتمال إيجاد طريق جديدة تٌوصلهم إلى الهند والصين ، فالطرق البرية إلى الشرق كانت متوفرة منذ سنوات ، لكن التجارة البرية كانت بطيئة ومحفوفة بالمخاطر ومُكلفة أيضا ، وذلك بسبب الممالك الاسلامية الجديدة التي تعترض هذه الطرق التجارية . كانت هذه الظروف هي التي حثت بعض الأمم الأوروبية على النظر في احتمال جديد ، هل يمكنهم الوصول إلى الشرق عن طريق البحر ؟

وفي هذا العالم السريع التغير ، أبصر كريستوفر كولومبوس النور ، لا نعرف كثيراً عن سنواته الأولى ، حتى طريقة كتابة اسمه تختلف بين رواية وأخرى ، فقد استخدم اسم كولون كلقب له ، لكنه عُرف في التاريخ باسمه اللاتيني كولومبوس ، وُلد كولومبوس في جنوا على شواطىء البحر المتوسط في نحو العام 1451م ، وهو الابن الأكبر لحائك صوف ، ومنذ بلوغه الــ 14 اختار كولومبوس حياة البحارة ، فبدأت رحلاته العديدة إلى البحر المتوسط ، وخلال حياته أحاط كولومبوس أفكاره ومخططاته بنقاط من السرية !

وحتى يومنا هذا لا يمكن لأحد أن يعرف ماذا كان كولومبوس يتوقع حين أراد أن يبحر ، فربما كان يتوقع اكتشاف الجزر الخيالية التي جرى الكلام عنها في الأساطير ، أو إيجاد طريق بحرية للهند والصين ، فبإتكاله على عدة مصادر ، مثل المخطوطات القديمة عن الأسفار وعلم الكونيات والمراجع الإنجيلية ، وقصص المسافرين إلى جزر مجهولة ، وأيضا من الإنسان والنباتات الغريبة التي جُرفت إلى شاطىء الأزور ، كوّن كولومبوس نظرية منفصلة عن الطريق التي ظن أنها تؤدي إلى الأرض

أحدُ أشهر الرحالة والمكتشفين عبر التاريخ ، ورغم اعتقاد العديدين بأنه لم يكن أول من اكتشف العالم الجديد ، وقارتيه أمريكا الشمالية والجنوبية ، والقول بأن العديدين قد اكتشفوا العالم الجديد وأبحروا وتواصلوا مع حضارته القديمة ، وهو قول في الغالب صحيح ، إلا أنه سيظل صاحب الفضل وصاحب السبق في أن يكتشف العالم القديم ، أما الأرض أكبر مما يضنون بكثير ، وأن هناك أرض جديدة غفل عنها التاريخ آلاف السنين ، ويقتنع الملوك ذوي السلطة بأن يبحروا إليها ويتخذوها وطناً لهم ، كما أنه شخصية جديرة بالاحترام ، فقد آمن بفكرته وقاتل من أجل تحقيقها ، رغم عدم اقتناع العالم أجمع بأنه من الممكن أن يصل لشيء ، كذلك هو شخصية جديرة بالإزدراء لأنه كان أول من اتبع سياسة العنف والسخرة ضد السكان الأصليين في العالم الجديد

ولد كريستوفر كولومبوس في عام 1451م في جمهورية جنوا أو ما يسمى الآن بجمهورية ايطاليا ، والده كان تاجراً من الطبقة المتوسطة ، ذهب كولومبوس لأول مرة إلى البحر في سن المراهقة وشارك في العديد من الرحلات التجارية في البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجا ، واستطاع كولومبوس تعليم نفسه ثلاث لغات جديدة ، البرتغالية واللاتينية والغشتالية ، بدأ كولومبوس حياته المهنية كوكيل أعمال يسافر ويتاجر بالبضائع نيابة عن العائلات الثرية في ايطاليا ، ثم انتقل من ايطاليا إلى البرتغال عام 1476م ، حيث وفرت البرتغال التي تقع على ساحل المحيط الأطلسي مكانا مثالياً للابحار إلى الجزر البريطانية والساحل الأفريقي والبحر الأبيض المتوسط ، وبالنسبة لتاجر ملاحي مثل كريستوفر كولومبوس كانت البرتغال تعد من أفضل الأماكن لعيش فيها

أول رحلة له في المحيط الأطلسي كادت أن تكلفه حياته مع أسطول تجاري كان يبحر معه ، حيث هوجم من قبل قراصنة فرنسيين قُبالة ساحل البرتغال ، أحرقت سفينته وكان على كولومبوس السباحة إلى الشاطىء البرتغالي ، حيث استقر في نهاية المطاف وتزوج هناك ، كان للزوجين ابنا واحدا يدعى دييغو ، وتوفيت زوجته بعد فترة وجيزة من الزواج ، وكان له أيضاً ابناً ثانيا وقد ولد من علاقة غرامية له

بعد مشاركته في العديد من البعثات الأخرى …

إلى أفريقيا ، اكتسب كولومبوس معرفة بتيارات المحيط الأطلسي التي تتدفق من الشرق والغرب ، وكان وقتها قد سيطر المسلمون على طرق التجارة عبر الشرق ، مما جعل السفر إلى الهند والصين صعب للغاية ، وهنا كان الإبحار في الطريق غرباً عبر المحيط الأطلسي أسرع وأكثر أمنا ، وقدر ان المسافة بين جزر الكناري واليابان بحوالي 2300 ميل ، وقتها وضع كريستوفر كولومبوس خطة للابحار للغرب وكان يريد من خلال الغرب الوصول إلى الشرق ، فعند حدوث اختناق مروري على طريق الحرير الشهير إلى الشرق أصبح مرور البضائع ليس سهلا كما كان ، والقيمة الاقتصادية للتوابل أعطت التجار حافزاً للبحث عن طرقا للالتفاف ، بدأ الناس يتساءلون حول ما إذا كان هناك سبلا للالتفاف حول طريق الحرير بدأوا يبحثون عن طريق في المحيط للوصول إلى مصدر التوابل في الهند وقام التجار الأغنياء والعائلات الغنية بتمويل رحلات المستكشفين كأمثال كريستوفر كولومبوس ، فمن يكتشف طريق المحيط أولا سيكون له إمكانيات حصرية له وحده للوصول إلى التوابل بسعر منخفض

وفي هذا الوقت لم يكن من المعروف أو الشائع عن الأرض أنها كروية الشكل مما كان يجعل خطة كريستوفر كولومبوس في ذلك الوقت صعبة وجريئة للغاية ، ولذلك كان الناس يشكون في قدرات كولومبوس وفي صحة حساباته ، وكانو يعتقدون انه يقلل من محيط الأرض ، لذلك لم يتم الموافقة على طلبه ، وبحلول عام 1492م كان كريستوفر كولومبوس يحاول الحصول على تمويل من ملوك ايطاليا والبرتغال لدعم رحلته ، ولكنه لم يلقى أي اهتمام ، وأخيرا تلقى كولومبوس دعوة لحضور حفل استقبال من ملك وملكة اسبانيا ، وقد تطلب الأمر مهارة دبلوماسية كبيرة بالإضافة إلى إثبات مهاراته كتجار ليقنع الملكان لتمويل رحلته ، وبالفعل وفي عام 1492م وافق الملكان على تمويل رحلة كولومبوس بعد ان انتهوا من حربهم مع المسلمين في آخر معقل لهم في غرناطة بالأندلس

رحلة الأمل والتحدي

بدأت الرحلة وبعد 36 يوما من الإبحار غرباً عبر المحيط الأطلسي وصل كولومبوس وعدد من أفراد من الطاقم إلى جزيرة في جزر الباهاما في الوقت الحاضر ، وهناك التقوا مجموعة ودية من المواطنين الذين كانوا منفتحين على التجارة مع البحارة وتبادل الخرز الزجاجي وكرات القطن والبغبغاوات والرماح ، ولاحظ الأوروبيين قطعاً من الذهب يرتديها السكان الأصليون للزينة ، تابع كولومبوس الإبحار إلى أن هبط على المنطقة التي تعرف الآن بالبحر الكاريبي وأطلق كولومبوس على الجزيرة التي هبط عليها اسم سان سلفادور ، وحتى الآن لسنا متأكدين من المكان الذي هبط عليه كريستوفر كولومبوس بالضبط ولكن يعتقد انه هبط على جزر البهاماز ، واصل كولومبوس ورجاله رحلتهم وزاروا جزر كوبا التي كان يعتقد انها الصين القارية واسبانيولا التي هي الآن هاييتي والجمهورية الكاريا، واعتقد كولومبوس أنها قد تكون اليابان ، واجتمعوا مع قادة السكان الأصليين ، خلال هذا الوقت دمرت الشعاب المرجانية أحد السفن الثلاث للرحلة ، وبمساعدة بعض سكان الجزر نجح رجال كولومبوس في إنقاذ ما استطاعوا وبناء مستوطنة من خشب من السفينة ، فقرر ترك 39 رجلا لبناء مستعمرة تحت علم اسبانيا واقتناعا منه بأن استكشافه قد وصل إلى آسيا فقد أبحر عائداً إلى الوطن مع السفينتين المتبقيتين

عاد كولومبوس إلى اسبانيا …

في عام 1493م وقدم تقريراً ، وحظي باستقبال حار من المحكمة الملكية ، وفي عام 1493م عاد كولومبوس إلى البحار في رحلته الثانية لاسكتشاف المزيد من الجزر في المحيط الأطلسي ، ولدى وصوله أكتشف وطاقمه ان المستوطنة التي عمرها رجاله قد دمرت مع ذبح جميع البحارة ، فقرر فرض سياسة العمل الجبري على السكان الأصليين لإعادة بناء المستوطنة واستكشاف الذهب ، وأدت جهوده إلى إنتاج كميات صغيرة من الذهب والكثير من الكراهية بين السكان الأصليين ، وقبل عودته إلى اسبانيا ترك كولومبوس أخويه ليحكموا المستوطنة ، ومما يؤسف له أن الأوضاع قد تدهورت إلى حد الاقتتال حيث اشتكى المستوطنون من سوء إدارة أشقاءه ، فأرسل التاج الاسباني مسئولاً ملكيا قبض على كولومبوس وجرده من سلطته ، وعاد إلى أسبانيا مقيداً لمواجهة المحكمة الملكية ، ولكن تم إسقاط التهم عنه في وقت لاحق وكذلك فقد الكثير من ثروته التي جناها في رحلته

قال كولومبوس للملك أن رحلة واحدة أخرى من شأنها أن تجلب الثروات الوفيرة التي وعد بها ، فذهب كولومبوس كما أراد في رحلته الأخيرة عام 1502م ، وسافر على طول الساحل الشرقي لأمريكا الوسطى في محاولة فاشلة للبحث عن طريق للمحيط الهندي ، وقد دمرت عاصفة أحدى سفنه التي تحمل القبطان والبحارة في جزيرة كوبا ، وهنا رفض سكان الجزيرة المحليين تقديم الطعام للاسبان الذين تعبوا من سوء معاملتهم وهوسهم بالذهب

وفي 29 فبراير من عام 1504م أخاف الكسوف القمري المواطنين الأصليين بما فيه الكفاية لإعادة العلاقات مع الأسبان ، حيث أخبرهم كولومبوس ان الهاً غضب من ذلك وسوف يختفي القمر مما يجعلهم يشعرون بالرعب ، وقد تم نقل كولومبوس ورجاله إلى اسبانيا بعد ذلك من قبل فريق الإنقاذ

كان الفضل لكولومبوس لاكتشاف الأمريكيتين أمام الاستعمار الأوروبي ، فضلاً في إلقاء اللوم عليه في تدمير الشعوب الأصلية في الجزر التي استكشفها ، وفي نهاية المطاف فشل في العثور عمّا قال عنه طريقاً جديداً إلى آسيا والغنى الذي وعد به ، ولا يمكننا أن نغفل عن الفساد الذي عاث به الأسبان في الأرض الجديدة ، نهبوا المعادن ودمروا الحضارة ، حضارة الآستك والانكا والمايا وأجبروا السكان المحليين على العمل بالسخرة في العمل بمناجم الذهب والفضة في ظروف قاسية ، والتي دفعت الكثير منهم إلى الانتحار خلاصاً من العذاب

خلال سنوات عديدة تلت اكتشاف كولومبوس تم إبادة ملايين الهنود الحمر نتيجة قسوة ظروف العمل في المناجم ، وتشير التقديرات إلى أن واحداً فقط كان يخرج حياً من بين كل ثمانية أشخاص عملوا في المناجم ، ليس ذلك فحسب بل بدأت الحكومات الأوروبية ترسل المساجين والمجرمين إلى أمريكا للتعويض عن ندرة الأيدي العاملة الناتجة عن إبادة الهنود ، إلا أن ذلك لن يفي بالحاجة ، ولذلك تفتحت قريحة أصحاب رؤوس الأموال عن فكرة صيد البشر من أفريقيا وشحنهم عبر المحيط للعمل كعبيد في المزارع والمناجم ، كما رصدت السلطات المكافآت والجوائز لمن يقتل هندياً أحمر ، ويأتي برأسه سواءً طفلاً أو امرأة أو رجلا ، وكانت الجوائز عبارة عن 100 جنيه استرليني لرأس للرجل الهندي ، و50 لرأس المرأة أو الطفل كأسلوب جديد للإبادة الوحشية

رغم حمل كولومبوس للقب مكتشف أمريكا في العرف الثقافي الشعبي ، إلا أن هذه المعلومة خاطئة تاريخياً ، فأول من وصل إلى القارة الأمريكية من البشر هم شعوبها الأصليين الذين هاجروا إليها واستوطنوها ، أصر كولومبوس على أنه وصل للهند ، وفي السنتين المتبقيتين من حياته بعد رحلته الأخيرة إلى الأمريكيتين كافح لاستعادة ألقابه التي فقدها ، وعلى الرغم من أنه استعاد بعض من ثروته ، لكنه لم يسترجع أيا من ألقابه أبدا

وفي عام 1506م تدهورت صحته وبدأ يصارع الموت بعد أن تعارك طوال حياته مع أمواج البحر والمحيط ، وقد تم دفنه دون القيام بالمراسم الجنائزية التي عهدها علماء ومكتشفوا ذلك الزمان ، وسيظل كولومبوس واحداً من أشهر المستكشفين في العالم بكل ما له وما عليه من خير أو شر

الروابط الرئيسية

المستكشفين العالميين

المستكشفين العالميين – جيمس كوك

قاد هذا القبطان البريطاني عددا من اهم البعثات ، واستكشف سواحل في كل من استراليا ونيوزلندا وشمال أمريكا ، وتم قتل القبطان كوك على يد أناس من هاواي خلال ملاحته الاستطلاعية الثالثة ، كان مثلا أعلى في الاستكشافات الجغرافية

الروابط الرئيسية